الشيخ محمد علي التسخيري

271

محاضرات في علوم القرآن

حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً « 1 » والتي تختم بقوله تعالى وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً « 2 » . ويبدو هذا المقطع منفصلا عن قصّة موسى المذكورة في مواضع مختلفة من القرآن الكريم لأنّه يتحدّث عن جانب معيّن من شخصيّة هذا الإنسان يختلف عن الجوانب الأخرى التي تصوّرها القصّة والتي تظهر فيها شخصيّة موسى النبي وتتحدّد فيها معالم هذه الشخصية . أمّا هنا فيبدو موسى الإنسان الذي يسير في طريق التعلّم والحريص على تفسير الظواهر غير العاديّة . وحين نلاحظ أنّ القرآن الكريم يأتي بهذا المقطع في سياق قوله وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا . وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً « 3 » قد نستنتج أنّ الإتيان به كان من أجل التدليل على مدى مطابقة الحكمة الإلهية للمصلحة وانسجامها مع واقع الأشياء مهما بدت غير واضحة المقصد والهدف . فإنّ هاتين الآيتين اللتين جاء المقطع في سياقهما تشيران إلى وجود حكمة إلهية من وراء تأخير العذاب وعدم التعجيل به مع استحقاق الظالمين له . مع أنّه قد يبدو في النظرة السطحية الإنسانية أنّ التعجيل بالعذاب أوفق بالمصلحة حيث يكون

--> ( 1 ) الكهف : 60 - 61 . ( 2 ) الكهف : 82 . ( 3 ) الكهف : 58 - 59 .